الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

321

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

مائة مرة » « 1 » هذا لفظ مسلم ، وقال أبو داود « في كل يوم » ، قال الشيخ ولى الدين بن العراقي : والظاهر أن الجملة الثانية مرتبة على الأولى ، وأن سبب الاستغفار : الغين ، ويدل لذلك قوله في رواية النسائي في عمل اليوم والليلة : إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر اللّه كل يوم مائة مرة ، وفي رواية له أيضا : فأستغفر اللّه . وألفاظ الحديث يفسر بعضها بعضا . ويحتمل من حيث اللفظ أن تكون الجملة الثانية كلاما برأسه غير متعلق بما قبله ، فيكون - صلى اللّه عليه وسلم - أخبر بأنه يغان على قلبه ، وبأنه يستغفر اللّه في اليوم مائة مرة ، انتهى . وقال أبو عبيد : أصل الغين في هذا ، ما يغشى القلب ويغطيه ، وأصله : من غين السماء ، وهو إطباق الغيم عليها . وقال غيره : الغين يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية ، كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء فلا يمنع ضوء الشمس . قال القاضي عياض - بعد حكايته ذلك - : فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه وسهوها عن مداومة الذكر ومشاهدة الحق بما كان - صلى اللّه عليه وسلم - دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة ومعاناة الأهل ، ومقاومة الولي والعدو ، ومصلحة النفس ، وما كلفه من أعباء أداء الرسالة وحمل الأمانة ، وهو في كل هذا في طاعة ربه ، وعبادة خالقه ، ولكن لما كان - صلى اللّه عليه وسلم - أرفع الخلق عند اللّه مكانة وأعلاهم درجة ، وأتمهم به معرفة ، وكانت حاله عند خلوص قلبه وخلو همته ، وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه ، ومقامه هناك أرفع حاليه ، رأى - صلى اللّه عليه وسلم - حال فترته عنها ، وشغله بسواها غضا على حاله ، وخفضا من رفيع مقامه ، فاستغفر اللّه من ذلك ، قال : وهذا أولى وجوه الحديث وأشهرها ، وإلى معنى ما أشرنا إليه مال كثير من الناس ، وحام حوله فقارب ولم يرد ، وقد قربنا غامض معناه ، وكشفنا للمستفيد محياه ، وهو مبنى على جواز الفترة والغفلات والسهو في غير طريق البلاغ ، انتهى .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 2702 ) في الذكر والدعاء ، باب : استحباب الاستغفار والاستكثار منه ، وأبو داود ( 1515 ) في الصلاة ، باب : في الاستغفار .